أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

67

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

هذه هي الوسيلة غير النظيفة ، لا أريد أن أستعرض لها شواهد وأمثال من خطّنا الحياتي لأنّ الاستعراض هنا لا مبرّر له وإنّما تدرس هذه الوسائل وتطبّق وتعين على خطّ العمل بالتدريج ، وأقصد هنا بيان الفكرة . إذاً الفارق الأوّل الرئيسي بين إيجابيّة هذا المبلِّغ وإيجابيّة غيره هو نظافة الوسائل ، التزامه بوسائل لا تتهافت بحسب مضمونها وبحسب روحها مع روح الرسالة والأمانة ولا تتناقض مع طبيعة تلك الرسالة والأمانة . 2 - وهو إلى حدّ ما يرتبط بالفارق الأوّل : الاجتناب مهما أمكن وبقدر الإمكان عن العناوين الثانويّة واستغلال هذه العناوين الثانويّة للخروج بها عن أحكام العناوين الأوّليّة . صحيحُ أنّ العناوين الثانويّة قد تتغيّر وكثيراً ما تغيّر أحكام العناوين الأوّليّة ، ولكنّ العمل على صعيد العناوين الثانويّة مظنّة الانزلاق ومظنّة الاستغلال ومظنّة تحوّل العمل من عمل رسالي إلى عمل آخر فردي . إنّ الداعية يحتاج إلى مبرّرات كبيرة جدّاً لكي يقدم على ارتكاب العناوين الثانويّة . إنّ الداعية يجب أن يقتصر على أقلّ مقدار ممكن من العناوين الثانويّة ، وأقصد من العناوين الثانويّة هذه العناوين التي لا يوجد لها مبرّر بما هي هي بحيث إنّها لو خلّيت ونفسها تكون غير جائزة بالشرع ، ولكن يوجد لها مبرّر من ناحية فوائدها وما يترتّب عليها من نتائج ومن آثار . هذه العناوين التي تكتسب مبرّراتها من ناحية فوائدها وآثارها . هذه المبرّرات يجب على الداعية أن يتريّث ويصبر ويتوقّف ويتحقّق حتّى يقدم على ارتكاب شيء منها . إنّ هذه العناوين هي مظنّة الانزلاق أيّها الإخوان ، ولعلّ هذا الفارق الثاني ينبع من الفارق الأوّل بحسب الحقيقةأو هو تطبيق من تطبيقاته . 3 - الذي يرتبط أيضاً بحسب الحقيقة بالفارقين السابقين هو الفارق في مورد التزاحم إيجابيّة المبلّغ قد تتعرّض للتزاحم بين المصلحة الشخصيّة والمصلحة الرساليّة . نعم ؛ صحيح ما قلناه من مصالح الرسالة ومصالح هؤلاء الذين يعملون في سبيلها تتوحّد في كثير من الأحيان ، ولكنّها لا تتوحّد دائماً وإلّا لأصبح كلّ إنسان رساليّاً ورساليّة الرساليّين ، عظمة الأنبياء والأوصياء ، عظمة هذه المواكب الحاملة للنور منذ خلق الله آدم على وجه الأرض إلى يومنا هذا ، عظمة هذا الموكب مستمدّة من هذه المواقف التي كان يتّخذها رجالات هذا الموكب في موارد التزاحم بين مصلحة الرسالة في هذه الموارد ويتبلور ويظهر الفرق بين إيجابيّة الرساليّين وإيجابيّة المصلحيّين النفعيّين . المصلحيّون النفعيّون الذين عاشوا بعقليّة المصلحة الشخصيّة هؤلاء كثيراً ما ينهارون في مورد التزاحم فيقدمون على مصلحتهم ولو أدّى ذلك إلى فوت المصلحة العامّة للرسالة ، ويجدون في العناوين الثانويّة أو غيرها من المبرّرات أو حتّى قد لا يجدون مبرّراً ويقدمون . أمّا هؤلاء الرساليّون السائرون في طريق موكب حملة النور مع الأنبياء والأوصياء والشهداء والصدّيقين ، أمّا هؤلاءأيّها الإخوان فإنّهم هم الذين يجب أن يثبتوا في لحظات شخصيّتهم كدعاة ، شخصيّتهم كمبلّغين يثبتون ذلك بتقديم الرسالة على ذواتهم ، على وجودهم ، على مصالحهم ، وكيف لا يقدمون ؟ ! ألم يقدم قادة هذا الموكب ، قادة موكب النور ، ألم يقدّموا الرسالة على حياتهم ، على وجودهم ، على كلّ ما يمكن أن تصل إليه مطامع الإنسان ، ألم تكن الدنيا منفتحة للحسين ( ع ) ؟ ! ألم تكن الدنيا بكلّ ما فيها من متع ، بكلّ ما فيها من إغراء ، بكلّ ما فيها من جاه ، بكلّ ما فيها من مال كانت منفتحة للحسين ( ع ) ؟ ! لم يكن الحسين بحاجة إلى جاه ولم يكن بحاجة إلى مال ولم يكن الحسين بحاجة إلى شيء من المتع إلّا ويجده بين يديه ، ولكنّ هذه الدنيا المنفتحة كلّها كانت صفراً في نظر الحسين ( ع ) لأنّها لم تكن دنيا الداعية وإنّما كانت دنيا المتميّعين والمتسيّبين ، والحسين ( ع ) لم يكن متميّعاً ومتسيّباً ، وجد الدنيا إلى جانب ووجد الرسالة إلى جانب ، فوقف إلى صفّ